محمد أبو زهرة

1388

زهرة التفاسير

وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى : تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي تسوى لهم بالتنظيم والترتيب مقاعد للقتال ، فهي إذا تتضمن معنى التنظيم والتهيئة والاستعداد ، ولقاء المشركين صفا واحدا ، كأنهم بنيان مرصوص . وهذا التنظيم إنما هو بيان مواقف القتال ، وموضع كل فريق في الموقف الذي يقفه ، ولكن النص السامي الكريم قال : مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فعبر عن المواقف بالمقاعد للإشارة إلى وجوب الثبات والسكون ، حتى لا يتحركوا إلا بأمر من القائد الأعظم وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقد كان الثبات سبب النصر في غزوة أحد ، والهزيمة كان سببها عدم الاستمرار في البقاء في مواقفهم ، ذلك أن الرماة عندما رأوا المؤمنين قد انقضوا بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم على المشركين يقتلونهم ويزيلونهم عن مواقفهم ، تركوا مواقفهم وذهبوا وراء المؤمنين يغنمون ويأخذون ، فانقض عليهم من ورائهم فرسان المشركين ، فتفرقوا ، وهذا قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . . . ( 152 ) [ آل عمران ] ومن هنا كانت إصابة المسلمين في موقعة أحد . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ذيل اللّه سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهذا النص السامي لبيان أنه تعالى مطلع على ما كان يجرى بين المؤمنين وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم من مشاورات ، وما استقر عليه رأى كثرتهم ، ثم نزوله عليه الصلاة والسلام عند رأى الكثرة ، ثم عدول الكثرة إلى رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قول النبي لهم معتزما إمضاء ما قرروا أولا ، وإن كان غير رأيه الذي مال إليه ، ليعلمهم أن التردد ولو للصواب المحتمل ضرره أكثر من المضي ولو في الرأي المحتمل للخطإ ، فإن صواب الحروب وخطأها ، لا يتبين ، وإن التردد فيها يقتل ، والمضاء فيها ينصر ، وبين بهذا التذييل أيضا أن اللّه تعالى عليم بخفايا القلوب ، فهو يعلم ما تهم به قلوب المؤمنين ، وما توسوس به قلوب المنافقين ، وما يبثونه من روح الذعر والهلع في نفوس المؤمنين ، وبحديثهم مستجابا في قلوب ضعفاء الإيمان ، وهم الذين قال القرآن عنهم : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . . . ( 10 ) [ البقرة ] .